يرصد الكاتب حمزة هنداوي في افتتاح مقاله العلاقة العميقة بين المصريين ونهر النيل، عبر العودة إلى “مقياس النيل” التاريخي في جزيرة الروضة بالقاهرة، الذي ظل لقرون أداة تحدد مصير الزراعة والغذاء في البلاد. ويشير إلى أن هذا المعلم الإسلامي القديم عاد ليكتسب دلالة رمزية قوية مع تصاعد التوتر بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة، في وقت تتزايد فيه مخاوف المصريين من أي تهديد لحصتهم المائية.


ونشرت صحيفة ذا ناشيونال التقرير، موضحة أن مقياس النيل لم يعد يؤدي وظيفته القديمة بعد بناء السد العالي في أسوان، إذ انتقلت عمليات قياس المياه إلى بحيرة ناصر، لكنه لا يزال يمثل رمزاً تاريخياً لعلاقة المصريين بالنهر الذي قامت عليه حياتهم واقتصادهم عبر آلاف السنين.


مقياس النيل.. معلم تاريخي يعيد إحياء مخاوف المياه


يقع مقياس النيل في الطرف الجنوبي لجزيرة الروضة، داخل بناء خشبي مخروطي الشكل يخفي وراء بوابته الحجرية نظاماً هندسياً متقدماً يعود إلى القرن التاسع الميلادي. وشيد الخليفة العباسي المتوكل هذا المقياس عام 861 ميلادية فوق موقع أقدم لقياس المياه، واعتمد تصميمه على مبدأ “الأوعية المستطرقة” في الفيزياء.


ويتكون المقياس من بئر عميقة تتوسطها أعمدة قياس حجرية، بينما تربط ثلاثة أنفاق البئر بمياه النيل على ارتفاعات مختلفة، ما يسمح بدخول المياه بصورة متدرجة ودقيقة. واعتمد المصريون لقرون على هذه القراءات لتقدير حجم المحاصيل الزراعية وتحديد الضرائب وتوقع الفيضانات.


ويؤكد الخبير المصري عباس شراقي، أستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، أن اختيار موقع المقياس جاء بعناية شديدة لضمان عمق المياه وهدوء التيار، مضيفاً أن المقياس يحظى بعناية أثرية كبيرة رغم غيابه عن الاهتمام السياحي والإعلامي


سد النهضة يعيد النيل إلى قلب الصراع الإقليمي


أعاد النزاع المستمر بين مصر وإثيوبيا حول مياه النيل إحياء الرمزية السياسية لمقياس النيل، إذ تنظر القاهرة إلى سد النهضة الإثيوبي باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها المائي والغذائي. ويخشى المسؤولون المصريون من أن يؤدي أي خفض في تدفق المياه إلى خسارة ملايين الوظائف الزراعية واضطراب منظومة الغذاء في البلاد.


ويكرر رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي في لقاءاته مع المسؤولين الدوليين أن قضية المياه تمثل “مسألة وجود” بالنسبة لمصر، مؤكداً أن القاهرة لن تتهاون في حماية حقوقها التاريخية في مياه النيل.


ورغم أكثر من عقد من المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا، لم تنجح الأطراف الثلاثة في التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيل السد. وتواصل إثيوبيا التأكيد أن المشروع شأن سيادي يهدف إلى التنمية وتوليد الطاقة، بينما ترى القاهرة أن الخطر الحقيقي يظهر في فترات الجفاف الطويلة، حين قد تتراجع كميات المياه المتدفقة نحو مصر بصورة مؤثرة.


تحركات مصرية لحماية الأمن المائي


تسعى مصر إلى تعزيز نفوذها في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر للضغط على إثيوبيا ودفعها نحو قدر أكبر من المرونة السياسية. وعززت القاهرة تعاونها العسكري مع عدد من دول المنطقة عبر اتفاقات أمنية وصفقات تسليح وتحركات بحرية استراتيجية.


وفي هذا السياق، نشرت مصر آلاف الجنود في الصومال ضمن بعثة حفظ سلام أفريقية ومهام تدريب ومكافحة الإرهاب، في أكبر انتشار عسكري مصري خارج البلاد منذ حرب تحرير الكويت مطلع التسعينيات.


كما تعارض القاهرة بقوة محاولات إثيوبيا الحصول على منفذ بحري في منطقة “أرض الصومال”، معتبرة أن أي توسع إثيوبي على البحر الأحمر قد يمنح أديس أبابا نفوذاً إضافياً في ملف المياه.


ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن مقياس النيل لم يعد مجرد أثر معماري أو أداة قديمة لقياس المياه، بل تحول إلى رمز حي يجسد القلق المصري المستمر بشأن مستقبل نهر النيل، في ظل صراع إقليمي مفتوح تتداخل فيه السياسة والأمن والغذاء والتاريخ.

 

https://www.thenationalnews.com/news/mena/2026/05/08/cairos-nilometer-may-be-obsolete-but-its-a-potent-symbol-of-rivers-importance-to-egypt/